ابن الجوزي
54
صيد الخاطر
وقوع الجزاء ، فان ابن سيرين « 1 » قال : عيرت رجلا فقلت : يا مفلس ، فأفلست بعد أربعين سنة . وقال ابن الجلّاء « 2 » : رآني شيخ لي وأنا أنظر إلى أمرد ، فقال : « ما هذا ؟ لتجدن غبها » فنسيت القرآن بعد أربعين سنة . وبالضد من هذا كل من عمل خيرا أو صحح نية ، فلينتظر جزاءها الحسن ، وإن امتدت المدة . قال اللّه عز وجل : « إنه من يتّق ويصبر فإنّ اللّه لا يضيع أجر المحسنين » وقال عليه الصلاة والسلام : « من غضّ بصره عن محاسن امرأة أثابه اللّه إيمانا ، يجد حلاوته في قلبه » . فليعلم العاقل أن ميزان العدل لا يحابي . 19 - انحراف الصوفية تأملت أحوال الصوفية والزهاد ، فوحدت أكثرها منحرفا عن الشريعة ، بين جهل بالشرع ، وابتداع بالرأي ، يستدلون بآيات لا يفهمون معناها ، وبأحاديث لها أسباب ، وجمهورها لا يثبت . فمن ذلك ، انهم سمعوا في القرآن العزيز : « وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ » . . * « أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ » ثم سمعوا في الحديث : « للدنيا أهون على اللّه من شاة ميتة على أهلها » ، فبالغوا في هجرها من غير بحث في حقيقتها ، وذلك أنه ما لم يعرف حقيقة الشيء فلا يجوز أن يمدح ولا أن يذم . فإذا بحثنا عن الدنيا رأينا أن هذه الأرض البسيطة « 3 » التي جعلت قرارا للخلق ، يخرج منها أقواتهم ، ويدفن فيها أمواتهم . ومثل هذا لا يذم لموضع المصلحة فيه . ورأينا ما عليها من ماء ، وزرع ، وحيوان ، كله لمصلحة الآدمي ، وفيه حفظ لسبب بقائه ، ورأينا بقاء الآدمي سببا لمعرفة ربه ، وطاعته إياه وخدمته ، وما كان سببا لبقاء العارف العابد يمدح ولا يذم . فبان لنا أن الذم إنما هو لأفعال الجاهل ، أو العاصي في الدنيا ، فإنه إذا اقتنى المال المباح ، وأدى زكاته ، لم يلم ، فقد علم ما خلف الزبير ، وابن عوف وغيرهما ، وبلغت صدقة علي رضي اللّه عنه أربعين ألفا . وخلف ابن مسعود تسعين ألفا ، وكان الليث بن سعد يستغلّ كل سنة
--> ( 1 ) محمد بن سيرين من اعلام التابعين كان عالم البصرة في أيامه وكان من العباد توفي سنة 110 . ( 2 ) أبو عبد اللّه أحمد بن يحيى ، بغدادي سكن الشام ، من تلاميذ ذي النون وأبي تراب ، صوفي من القرن الثالث . ( 3 ) البسيطة أي الواسعة لا أنها ليست كروية ، فان علماء المسلمين يقولون بكروية الأرض من قبل المؤلف بقرون .